"فتاوى للبيع"!!!
تخرج علينا في كل وقت وحين فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان ملأت الصحف والمجلات ، وأمضت وقت الفضائيات ، وأشغلت الناس بفتاوى مضلّّلة من أشخاص لم تُعرف عنهم التقوى ولا الخبرة في تنزيل الأحكام على الوقائع ، ولا تمرُّس في الفتوى ؛ فأصبحت الفتاوى وكأنها بضاعة رخيصة لا واقع لها في حياة المسلمين ؛ فتشغل المسلمين بجدال عقيم لا فائدة منه إلا لأعداء الأمة الإسلامية الذين يتربصون بها الدوائر.
وإن أراد أحدهم الشهرة والتجارة الدنيوية، والقبول الزائف عند الناس والتدليل على أنه صاحب علم وثقافة وحضارة وتقدم وانفتاح على الغرب، فما عليه إلا إصدار فتوى مخالفة للكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس،لا تستند لدليل ولا حتى شبهة دليل، ينشرها في وسائل الإعلام المختلفة خاصة سوق الفضائيات الذي يستقبل أية بضاعة مهما كانت رخيصة منحطة ، ويبثها على الناس يُزكم بها أنوف الناس من رائحتها النتنة .
فتاوى تبيح وتلك تحرم كالفتوى التي تعتبر كيان يهود المعتصب لفلسطين جارا يجب الإحسان إليه ، في الوقت الذي صدرت فيه فتوى تبيح إقامة الجدار الفولاذي بين مصر وغزة هاشم ، والفتوى التي تحرم الاستشهاد في سبيل الله ضد المحتل المغتصب واعتباره انتحارا.
فتاوى تروِّج لما هو محرم في الإسلام ومعلوم من الدين بالضرورة ؛كالميسر والقمار الذي يُروج تحت اسم اليانصيب الخيري ورعاية الأيتام والمعوقين ، والخمر تحت اسم المشروبات الروحية ، قال ابن ماجة في سننه فيما يرويه عن أبي مالك الأشعري –
فتاوى تروِّج مفاهيم الإباحية والاختلاط بين الجنسين تحت دعاوى "الفن والتطور"0
وإرضاع الكبير لإباحة ما حرم الله ، وإجازة شرب الخمر للمرأة بسبب الوحم ،وجواز الفطر لمن يلعب أثناء الصيام، وإباحة شرب الدخان خلال نهار رمضان على أن لا تكون أكثر من سيجارتين .
واعتبار تقبيل الشاب للفتاة ذنبا صغيرا ، والمسؤولية فيه على المجتمع الذي ترتفع فيه تكاليف الزواج .
وأنه يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف رأسها إذا كانت تعيش في الغرب كي لا تتميز عنهم ،ولا داعي للشهود في الزواج ولا للولي ويكفي التفاهم بين الشاب والفتاة على الزواج شريطة أن يكونا في بيت واحد .
وقد تجرأت وسائل الإعلام من خلال بعض المنتفعين وعلماء السلاطين على مهاجمة كثير من الأحكام الشرعية منها :-
1- الخلافة وصفها بالدكتاتورية والرجعية والتخلف 0
2- الجهاد وصفه بالهمجية وأشاع عبر علماء السلاطين بأنه دفاعي ،مع أن الله – عزوجل يقول في محكم التنزيل :{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }التوبة(73)
3- هاجم الطلاق حيث فيه إهانة لكرامة المرأة 0
4- تعدد الزوجات حيث أشاع بين أوساط المسلمين عبر البرامج المختلفة والمسلسلات مثل مسلسل الحاج متولي بأن تعدد الزوجات مشروط وجائز إذا كانت المرأة مريضة أو عقيمة لا تلد 0
5- الزواج المبكر حيث فيه ضرر على صحة المرأة
6- الحجاب حيث الاستهزاء به في برامج عديدة ومناقشة موضوع انتشار الحجاب بين الفتيات على أنه ظاهرة دخيلة على المجتمع، وأن السبب الحقيقي وراء انتشاره هو ظروف اقتصادية وليس عقيدة دينية وأنه عادة في بعض المجتمعات استمدت من العادات الجاهلية0
والأدهى والأمر أنه ظهر ممن يسمون مفكرين إسلاميين من يصدر فتاوى تحرِّف الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة والحجاب، مثل هرطقات الترابي في السماح للمرأة المسلمة بالزواج من الكافر الكتابي، وقوله بأن خمار المرأة (هو شرعاً غطاء الرأس) هو لغطاء الصدر فقط، وغير ذلك من الضلالات. ومع ذلك تكثر الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام من نقل ندواته التي يشرح فيها هرطقاته ويُسوِّق ضلالاته. متناسيا قول الله تعالى : {وليضربن بخمرهن على جيوبهن } النور 31،وقول الله –عزوجل - { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}الأحزاب (59)
7- العقوبات كقطع يد السارق وجلد أو رجم الزاني وصفها بأنها إهانة لكرامة الإنسان وانتهاك لحقوقه0
وعلى الصعيد السياسي فإن وسائل الإعلام تحاول تضليل الناس ويسمون الأمور بغير مسمياتها الحقيقية بحيث تكون محببة للناس مثل :-
1- إعادة الأمل للصومال مع أنه استعمار 0
2- إعادة انتشار الجيش مع أنه تكريس لوجود الإحتلال 0
3- استقلال الشعوب مع أنه تفسيخ لوحدة المسلمين 0
4- الدعوة لحقوق الإنسان مع أنها محاربة واستغلال وهدر لكرامته0
5- الدعوة لتطبيق القانون الدولي والشرعية الدولية مع أنه قهر للشعوب وامتصاص لثرواتها وغطرسة القوي على الضعيف من خلال قرارات هيئة الأمم ومجلس الأمن بزعامة أمريكا 0
6- تسمية الإستسلام والتنازل عن أرض الإسلام حنكة سياسية0
7- تسمية الديمقراطية وهي نظام كفر بالشورى0
تأتي هذه الفتاوى في ظل الصراع الدائر بين الكفر والإيمان والحق والباطل، وفي ظل تحكم الدول الكافرة في بلاد المسلمين، وفي ظل الأنظمة الحاكمة التابعة للغرب، وفي ظل ازدياد اندفاع الأمة الإسلامية وتوجهها نحو فهم الإسلام من نبعه الصافي القرآن والسنة، وفي ظل ازدياد توق الأمة للعيش في ظل الخلافة، وفي ظل قوة الإسلام القادمة والتي يتحدث عنها الأعداء في الغرب بشكل مستمر تحت عناوين الخط الأيديولوجي الإسلامي أو الإسلام السياسي أو الجهاد؛فإننا نرى ونسمع ما يبثه الإعلام لحرف الأمة عن توجهها ومسارها الصحيح .
تأتي هذه الفتاوى في ظل الصراع الدائر بين الكفر والإيمان، والقائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛فدعوة الإسلام واضحة وأفكارها عملية على الواقع , مما دفع الكافر إلى وضع العراقيل للحيلولة دون انتشار هذا الفكر في العالم قديما وحديثا وتشويه هذه الأفكار ، فأدخل بثقافته التي نشرها بين المسلمين عامة وأوساط المتعلمين والسياسيين خاصة مفاهيم مغلوطة لهذه الأفكار مستخدما وسائل الإعلام من إذاعة وتلفزة ومجلات وصحف وإنترنت , بث ويبث بشكل مكثف سمومه القاتلة الفتاكة لنشر مبادئ الديمقراطية ،ومشوها لصورة الإسلام ومهاجما أفكار العقيدة الإسلامية باسم الديمقراطية وحرية التعبير وبرز هذا بشكل واضح في قضية شتم الرسول – صلى الله عليه وسلم - وخاصة تلك الحرب التي لم يتوان الرئيس الأمريكي عن وصفها أربع مرات بأنها حرب صليبية، تصعيدا جديدا ومثيرا يتمثل في التركيز على استهداف شخص الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- والقرآن الكريم والإساءة إليهما بشكل فجّ.
إن المفتي يجب أن يحافظ على مكانته ؛ فلا يصح أن يكون مفتيا تحت طلب الحاكم ، يفتي له ، ويفصل الفتوى تفصيلا يوافق هواه أو تبعتيه للغرب .
إن المفتي يجب أن يحافظ على قيمة فتواه ؛ فلا يصح أن ترخص أبدا، ذلك أنها ليست سلعة تُصنَّع وليست ثوبا يُفصل ، وليست بضاعة تباع وتُشترى في سوق النخاسة ؛ فتقل قيمتها .
ورد في آدَابُ الفَتـْوَى والمُفـْتــِي والمُسْـتـَـفـْـتــِي من مقدمة كتاب: المجموع شرح المهذب للإمام محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي
"اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ; ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى.
وروينا عن ابن المُنكدر قال: "العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم".
وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة، نذكر منها أحرفاً تبركاً.
وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول". وفي رواية: "ما منهم من يحدث بحديث، إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
وعن ابن مسعود وابن عباس
وعن الشعبي والحسن وأبي حَصِين -بفتح الحاء- التابعيين قالوا: "إن أحدَكَم ليفتي في المسألة ولو وَرَدَتْ على عُمَر بن الخطاب
وعن عطاء بن السائب التابعي: "أدركتُ أقواماً يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد".
وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان: "إذا أغفل العالم (لا أدري) أُصِيبت مقاتله".
آداب المفتي
[وظيفة إمام المسلمين تجاه المفتين]
قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمَنْ صَلحَ للفتيا أقرَّه، ومن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إن عاد.
وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق به.
ثم روى بإسناده عن مالك -رحمه الله- قال: "ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك". وفي رواية: "ما أفتيت حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك" ؟
قال مالك: "ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه".
قالوا: وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهوراً بالديانة الظاهرة، والصيانة الباهرة.
شرط المفتي كونه مكلفاً مسلماً، وثقةً مأموناً متنـزِّهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رصينَ الفِكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظاً.
سواءٌ فيه الحرُّ والعبد والمرأة والأعمى، والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته.
وعن على بن أبى طالب قال : أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم .كنز العمال ".
إن الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى أصحاب العلم والفضيلة في هذا العصر؛ بحاجة إلى حضور العلماء المخلصين في حياة الأمة لا سيما في الأزمات .
إن مكان العلماء الطبيعي بين الناس ، وليس على أبواب السلطان ؛ فقد أورد جلال الدين السيوطي أحاديث وآثار في كتابه (ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) ، أذكر منها :-
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض...) ، وما رواه ابن عباس،
وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والحاكم في تاريخه، وأبو نعيم، والعقيلي، والديلمي، والرافعي في تاريخه، عن أنس بن مالك،
وأخرج الحاكم، عن عبد الله بن الحارث
قال سفيان الثوري: « إن دعوك لتقرأ عليهم: قل هو الله أحد، فلا تأتهم » رواه البيهقي .
إن الأمة الإسلامية اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى الخطاب الذي يأخذ بيدها ، ويوجهها نحو النهضة والإرتقاء لاستعادة مجدها وسؤددها .
وإن الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل كثر فيها العلماء البررة أصحاب المواقف الجريئة كالعز بن عبد السلام ، الذين يدركون أهمية ما يقولون ، وقيمة ما يتحدثون ؛ فلا يمسخون أنفسهم ، ولا يبخسون بضاعتهم وفتاواهم ، ولا يتحدثون إلا بالحق ، ولا يطيعون الحكام في معصية الله ، ولا يركنون إلى الظلمة ، ولا أصحاب الهوى .
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }الكهف28
هذا غيض من فيض مما تقوم به وسائل الإعلام في محاربة الإسلام وأهله ودعاته ، وترويج الفتاوى الباطلة .
فهل آن محاربتها وعدم السماح لها بالعمل بيننا أو الوجود في بلادنا ،وأنتم أيها المسلمون من سيعمل على تعريتها وبيان خبثها ومكرها وسمومها وكشفها للناس ، وذلك من باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعلموا أنه في ظل وجود دولة وإمام ستمنع هذه الفتاوى ، وستمنع الوسائل الإعلامية من بث أفكار الكفر في بلاد الإسلام أصلا؛ فخليفة المسلمين جُنة أي وقاية من كل شيء يلزم الوقاية منه، مصداقا لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم- ( إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به) رواه البخاري .
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }النحل116.
