الإثنين كانون1 22

مفهوم البدعة (1)

انتباه، فتح في نافذة جديدة. PDFطباعةأرسل إلى صديق

ياسين بن علي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

من المصطلحات الإسلامية التي تحتاج إلى تحرير معناها وضبط مدلولها نظرا لخطورتها وكثرة استعمالها، مصطلح البدعة. ولكي نفهم هذا المصطلح وما يدلّ عليه، نحتاج إلى مقدّمات تبيّن لنا واقع المصطلحات والتعريفات في الثقافة الإسلامية وكيفية التعامل معها.

 
1. مقدّمات

· حول المصطلحات:

المصطلح هو اسم معين تضعه جهة معينة لشيء معين. وبتعدد الجهات تعددت الأسماء وتعددت معانيها؛ فنجد الأسماء اللغوية كالأسد، والعرفية كالفقه، والشرعية كالصلاة. وهو ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية.
فإن كان اللفظ الموضوع استعمل للمعنى الموضوع له من أهل اللغة، وهم العرب الأقحاح، سمي بالحقيقة اللغوية، كالأسد مثلا للدلالة على الحيوان المعروف.

وإن كان اللفظ الموضوع استعمل لغير معناه اللغوي أي نقلت طائفة ما معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة العرفية، ككلمة الفقه مثلا: فهي في اللغة مطلق الفهم، وعند علماء الإسلام تطلق على فهم مخصوص هو العلم بالأحكام الشرعية العملية.

وأما إن كان اللفظ استعمل لغير معناه اللغوي من جهة الشرع أي نقل الشرع معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة الشرعية، ككلمة الصلاة مثلا: فهي في اللغة تعني الدعاء، وفي الشرع تطلق على أفعال مخصوصة من تكبير وركوع وسجود وغير ذلك.

والحقيقة الشرعية إذا وجدت تقدّم على الحقيقة اللغوية والعرفية.

 

· حول التعريفات:

التعريف هو بيان ماهية الشيء ووصف واقعه، وهو لا يخرج عن قسمين: عقلي وشرعي. فالعقلي هو ما أبدعه العقل إيجادا من عنده ليصف واقعا ما، كتعريف العقل والمجتمع والغريزة وغير ذلك. وأما الشرعي فهو ما أوجده الشارع أو دلّ عليه.

فالتعريف الشرعي ينقسم إلى قسمين:

- قسم نص عليه الشارع صراحة أي ورد في الكتاب أو السنة: كتعريف الإسلام والإيمان والإحسان. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وكتعريف الرويبضة. أخرج ابن ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة". وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة".

- وقسم دلت عليه النصوص فاستنبطه العلماء بعد استقراء كتعريف الطلاق ودار الإسلام والإجارة وغير ذلك.

فالتعريف الشرعي هو وصف واقع الحكم كما ورد في نصوص الشرع أي الكتاب والسنة. ومثال ذلك: الوصية أجازها الشرع، فما هي؟ والجواب أنّ الوصية هي: "عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده"، أو هي: "اسم لما أوجبه الموصى في ماله بعد موته". فتعريف الوصية هذا، وصف واقع الحكم وبيّن مدلول الشارع من لفظ الوصية. وقد استنبطه الفقهاء من أدلة كثيرة منها: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى الْمُتّقِينَ}، وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}. وأخرج البخاري عن عامر بن سعد بن مالك عن أبيه قال: "عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال فأتصدق بشطره؟ قال: لا. قال: الثلث يا سعد والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".

 

· الاختلاف في التعريف:

ذكرنا أنّ من التعريفات الشرعية ما هو مستنبط من أدلة الشرع؛ فهو إذن يخضع لاجتهاد المجتهد ونظرته إلى الأدلة. ومن هنا كان بعض التعريفات الشرعية عرضة للاختلاف بين العلماء لاختلاف اجتهاداتهم. ومثال ذلك: تعريف الاعتكاف: فهو عند المالكية والحنفية: "اللبث في المسجد مع الصوم والنية"، وعند الحنابلة والشافعية: "اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية". فالمالكية والحنفية يشترطون الصوم لصحة الاعتكاف؛ لذلك أدخلوه في التعريف، وهذا بخلاف الحنابلة والشافعية. ولكل منهم دليله الذي اعتمد عليه في حدّ الاعتكاف. والعبرة عند الاختلاف بصحة الاستنباط وقوة الدليل.

 

2. تعريف البدعة

· البدعة في اللغة:

- جاء في لسان العرب: "البِدْعةُ الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّينِ بعد الإِكمال... وأَبدعْتُ الشيء اخْتَرَعْته لا على مِثال والبَديع من أَسماء الله تعالى لإِبْداعِه الأِشياء وإِحْداثِه إِيَّاها وهو البديع الأَوّل قبل كل شيء ويجوز أَن يكون بمعنى مُبدِع أَو يكون من بَدَع الخلْقَ أَي بَدَأَه والله تعالى كما قال سبحانه {بَدِيعُ السمواتِ والأَرض} أَي خالقها ومُبْدِعُها فهو سبحانه الخالق المُخْتَرعُ لا عن مثال سابق قال أَبو إِسحق يعني أَنه أَنشأَها على غير حِذاء ولا مثال...".

- وجاء في تاج العروس: "... يُقَالُ: جِئْتَ بِأَمْرٍ بَدِيعٍ أَيْ مُحْدَثٍ عَجِيبٍ لَمْ يُعْرَفْ قَبْلَ ذلِكَ... والبِدْعَةُ بالكَسْر: الحَدَثُ في الدِّينِ بَعْدَ الإِكْمَالِ ومنه الحَدِيثُ: "إيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ". أَوْ هِيَ ما اسْتُحْدِثَ بَعْدَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم مِنَ الأَهْوَاءِ والأَعْمَالِ وهذا قَوْلُ اللَّيْثِ ... وأَبْدَعَ الشَّاعِرُ: أَتَى بالبَدِيعِ من القَوْلِ المُخْتَرَعِ على غَيْرِ مِثَالٍ سَابقٍ...".

- وقال الراغب الأصفهاني (في مفردات ألفاظ القرآن): "الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء... والبدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة".

- وقال أبو هلال العسكري (في معجم الفروق اللغوية): "الابتداع إيجاد ما لم يسبق إلى مثله، يقال أبدع فلان إذا أتى بالشيء الغريب...".

- وقال أبو البقاء الكفوي (في الكليات): "كل عَمل عُمل على غير مثال سبق فهو بدعة".

- وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي (في العين) : "البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة".

 

· البدعة في الاصطلاح:

- قال الجرجاني (في التعريفات): "البدعة هي الفعلة المخالفة للسنة سميت البدعة لأن قائلها ابتدعها من غير مقال إمام، وهي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي".

- وقال ابن رجب الحنبلي (في جامع العلوم والحكم): " المراد بالبدعة ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس بدعة شرعا وإن كان بدعة لغة... فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية".

- وقال العز بن عبد السلام (في قواعد الأحكام): "البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي منقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة...".

- وقال ابن تيمية (في مجموع الفتاوى): "البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة، فهو من الدين الذي شرعه الله". وقال: "البدعة ما خالفت الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية، وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد، والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة".

- وقال الشاطبي (في الاعتصام): "البدعة إذن عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه، وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية".

- وقال ابن حجر العسقلاني (في الفتح): "البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وأن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة".

وقال النفراوي (في الفواكه الدواني): "واختلف في معناها فقيل هي الأمر الذي لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم سواء دل الشرع على حرمته أو كراهته أو وجوبه أو ندبه أو إباحته، وإليه ذهب من قال: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة كابن عبد السلام والقرافي وغيرهما، وهذا أقرب لمعناها لغةً من أنها ما فعل من غير سبق مثالٍ. وقيل: هي ما لم تقع في زمنه عليه الصلاة والسلام ودل الشرع على حرمته وهذا معناها شرعًا، وعليه جاء قوله عليه الصلاة والسلام: "خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار". فإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب بدعة على الأول؛ لأنه لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم وإن وقع منه الأمر به، وكذلك جمع القرآن في المصاحف، والاجتماع على قيام رمضان، والتوسع في لذيذ المآكل، وأذان جماعةٍ بصوتٍ واحدٍ، وكان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول: المحدثات ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف الكتاب والسنة والإجماع فهذا هو البدعة الضلالة. وثانيهما ما أحدث من الخير ولا خلاف فيه، وقد قال الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قيام رمضان: نعمت البدعة هي يعني أنها محدثة لم تكن على هذه الكيفية وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى، والمختار أن لبس الطيلسان سنة، وألف السيوطي في استحباب لبسه كتابًا وقال: من أنكر سنده فهو جاهل."خاتمة" قال القرافي: الأصحاب متفقون على إنكار البدع نص عليه ابن أبي زيدٍ وغيره، والحق أنها خمسة أقسامٍ: الأول: من الخمسة بدعة واجبة إجماعًا وهي كل ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع فإن تبليغها لمن بعدنا واجب إجماعًا وإهماله حرام إجماعًا. الثاني: بدعة محرمة إجماعًا وهي كل ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهلاء على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث لمن لا يصلح لها. الثالث: بدعة مندوبة كصلاة التراويح وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور، على خلاف ما كانت عليه الصحابة، فإن التعظيم في الصدر الأول كان بالدين فلما اختل النظام وصار الناس لا يعظمون إلا بالصور كان مندوبًا حفظها لظلم الخلق. الرابع: بدعة مكروهة وهي ما تناولتها قواعد الكراهة كتخصيص الأيام الفاضلة بنوعٍ من العبادات، ومنه الزيادة على القرب المندوبة كالصاع في صدقة الفطر وكالتسبيح ثلاثًا وثلاثين والتحميد والتكبير والتهليل فيفعل أكثر مما حده الشارع فهو مكروه حيث أتى به لا لشك لما فيه من الاستظهار على الشارع، فإن العظماء إذا حدث شيئًا تعد الزيادة عليه قلة أدبٍ، ومن البدع المكروهة أذان جماعةٍ بصوتٍ واحدٍ. الخامس: بدعة مباحة وهي كل ما تناولته قواعد الإباحة كاتخاذ المناخل لإصلاح الأقوات واللباس الحسن والمسكن الحسن وكالتوسعة في لذيذ المأكول والمشروب على ما قاله العز، ومن البدع المباحة اتخاذ الملاعق والضابط لما يجوز وما لا يجوز مما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم عرضه على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضته ألحق بها، فعلم من هذا التقسيم أن قوله صلى الله عليه وسلم: "وكل بدعةٍ ضلالة" محمول على البدعة المحرمة".

 

3. منطلق البحث

تبيّن لنا مما مرّ ذكره من نقول اختلاف العلماء رحمهم الله في تحديد معنى البدعة: فمنهم من يخصّها بالعبادات ومنهم من يعمّمها ويدخل فيها العادات، ومنهم من يجعل منها الحسنة والمذمومة ومنهم من يجعلها كلها مذمومة، ومنهم من يجعل مقياس قبولها أو رفضها الدليل الشرعي من كتاب وسنة ومنهم من يلحق بالدليل الشرعي إجماع السلف، ومنهم من يقسمها إلى خمسة أقسام ومنهم من يحصرها في قسم واحد هو الحرمة.

ونريد في هذا المقام أن نحرّر محل النزاع ببيان منطلق البحث الذي يجب أن يعتمد هنا. ومنطلق البحث هو: هل عرّف الشارع البدعة أم لا؟

هذا هو منطلق البحث؛ فعندما نريد أن نبحث المعنى الشرعي لكلمة وردت في النصوص الشرعية، ككلمة البدعة، فإننا نبحث أوّلا عن الحقيقة الشرعية أي هل ورد لهذه الكلمة تعريف في الشرع أم لا؟ فإن كان، أخذنا به وارتفع النزاع، وإن لم يكن عمدنا إلى فهم الكلمة وفق الحقيقة اللغوية أو العرفية.

وباستقراء النصوص الشرعية تبيّن أنّ الشارع لم يعرّف لفظ البدعة؛ لذلك وجب فهم الكلمة وفق ما يقتضيه معناها اللغوي أو العرفي.

 

· دفع شبهة أولى:

في حديث العرباض بن سارية: قال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (رواه أبو داود).

وعن جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (رواه مسلم).

وعن جابر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته... من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (رواه النسائي).

قد يقال هنا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم عرّف البدعة بكل محدثة.

والجواب: ثبت أنّ من الصحابة رضوان الله عليهم من أحدث أعمالا وأذكارا وأدعية لم يسبق للنبي صلى الله عليه وسلم فعلها أو الأمر بها، ومع ذلك أقرّهم صلى الله عليه وسلم عليها ولم ينكر عليهم. ومن الأمثلة على ذلك:

- أخرج البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: "كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا، قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". قال الحافظ ابن حجر (في فتح الباري): "واستدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور".

- وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي". وأخرج الترمذي في سننه عن عبد الله بن بريدة قال: حدثني أبي بريدة قال: "أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي... فقال بلال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بهما". قال الحافظ ابن حجر (في الفتح): "ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة لأن بلالا توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم".

- وأخرج مسلم عن ابن عمر قال: "بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من القائل كلمة كذا وكذا؟ قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء".

- وأخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون. يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون. يعني آخر الليل وكان الناس يقومون أوله".

ولهذا قال الشافعي: "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا, فهذه لبدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا, فهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن, وإن كانت فليس فيها رد لما مضى" (ذكره البيهقي في المدخل إلى السنن).

وقال ابن دقيق العيد (في شرح الأربعين النووية): "اعلم أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم. ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ "المحدث" ولفظ "البدعة " لا يذمان لمجرد الاسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِم مُحْدَثٍ}. وقال عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه" يعني التراويح."

وهذا يدلّ على أن هناك محدثات حسنة غير مذمومة، فليس كل محدثة بدعة ضلالة. والمعنى، أنّ قوله صلى الله عليه وسلم: "كل محدثة بدعة" مجمل يحتاج إلى بيان لضبط معنى المحدثة التي يصدق فيها وصف أنها بدعة ضلالة.

 

· دفع شبهة ثانية:

ورد في جملة من النصوص ذكر السنة (هدي النبي صلى الله عليه وسلم) والبدعة كضدين: في حديث العرباض، وحديث جابر، وفي حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها"، (رواية ابن ماجه) وعند أحمد: "يطفئون السنة ويحدثون بدعة"، وعن رجل من الأنصار من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب فقال: إنها تقوم الليل وتصوم النهار، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكني أنا أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني، إن لكل عمل شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى" (رواه أحمد).

وقد يقال هنا: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم عرّف البدعة بأنها مخالفة السنّة.

 والجواب: ما هي السنّة المرادة في هذه الأحاديث؟ هل هي السنّة القولية أو الفعلية أو التقريرية؟ وهل هي السنّة بمعنى الفرض أو المندوب أو المباح؟ ومثال ذلك:

- قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام" (رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام). فهل يعدّ من لم يعمل بهذا الحديث مبتدعا بدعة ضلالة؟

- وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج أحدكم امرأة أو اشترى خادما، فليقل اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه، وإذا اشترى بعيرا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك. قال أبو داود: زاد أبو سعيد، ثم ليأخذ بناصيتها وليدع بالبركة في المرأة والخادم" (رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده). فهل يعدّ من لم يعمل بهذا الحديث مبتدعا بدعة ضلالة؟

- وأخرج البخاري عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: إن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه، قال أنس بن مالك: فذهبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا ومرقا، فيه دباء وقديد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم "يتتبع الدباء من حوالي القصعة"، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ". فهل يعدّ من لم يتتبع الدباء أو كرهه مبتدعا بدعة ضلالة؟

- وأخرج البخاري عن حذيفة قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ". فهل يعدّ من أتى سباطة قوم فبال قاعدا مبتدعا بدعة ضلالة؟

فالأحاديث التي ذكرت أن مخالفة السنة بدعة هي مجملة غير مبيّنة، فلا تعد حقيقة شرعية يؤخذ بها؛ لأن لفظ السنة التي تعد مخالفتها بدعة ضلالة مجمل يحتاج إلى بيان.

 

· تنبيه: هل كلّ مخالفة لأوامر الشرع بدعة؟

والجواب: ليس كل مخالفة لأوامر الشرع تسمى بدعة.

عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل..." (رواه أبو داود).

وعن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام..." (رواه البخاري ومسلم).

وعن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (رواه البخاري ومسلم).

فمخالفة أوامر الشرع قد توصف بالبطلان والحرام والكراهة وغير ذلك، وقد توصف بالبدعة، وليس كل مخالفة يصدق عليها وصف البدعة؛ ولذلك لا نجد أحدا يصف نكاح المرأة بدون إذن وليها بأنه بدعة، أو يصف بيع الخمر والخنزير بأنه بدعة. فالبدعة إذن هي وصف معيّن يتعلّق بمخالفة معيّنة.

 
يتبع إن شاء الله تعالى...

08 جمادى الأولى 1431هـ

عن الزيتونة





إضافة تعليق

رمز الحماية
تغيير الرمز

اليوم

الإثنين, 22 كانون1/ديسمبر 2014  
29. صفر 1436

الشعر والشعراء

إعلام ُ عارٍ

إعلام عار ٍ يحاكي وصمة العار      عار ٍ عن الصدق في نقل ٍ وإخبارِ ماسون يدعمه مالا وتوجيها         ...

التتمة...

قصيدة بعنوان:(يا أهل القوة أنقذوا الأمة)

شعر الأستاذ :داود العرامين/ فلسطين عرّجتُ بالشعرِ صوبَ الشرقِ أبحثُ            عن محمدٍ بين أمةٍ لها الشرفُ هل ما...

التتمة...

قصيدة " غزة "

  غزة أنشــودة العصــيان في زمن التذلل والتـــهاون والخنوع وحكاية الأبطــال ما زالت ترددها الصـــواري بالدروع وكرامة الإنســان...

التتمة...

إقرأ المزيد: الشعر

ثروات الأمة الإسلامية

روائع الإدارة في الحضارة الإسلامية

محمد شعبان أيوب إن من أكثر ما يدلُّ على رُقِيِّ الأُمَّة وتحضُّرِهَا تلك النظم والمؤسسات التي يتعايش بنوها من خلالها، فتَحْكُمهم وتنظِّم أمورهم ومعايشهم؛ لتمنحهم...

التتمة...

قرطبة مثلا

مقطع يوضح مدى التطور الذي وصلت اليه الدولة الاسلامية، حيث يشرح الدكتور راغب السرجاني كيف كان التقدم والازدهار في  قرطبة.

التتمة...

إقرأ المزيد: ثروات الأمة الإسلامية

إضاءات

JoomlaWatch Stats 1.2.9 by Matej Koval